الشوكاني
311
فتح القدير
الله ، لأن العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر انتهى . قوله ( وما أنزلنا على عبدنا ) معطوف على الاسم الجليل : أي إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا ، و ( يوم الفرقان ) يوم بدر ، لأنه فرق بين أهل الحق وأهل الباطل ( والجمعان ) الفريقان من المسلمين والكافرين ( والله على كل شئ قدير ) ومن قدرته العظيمة نصر الفريق الأقل على الفريق الأكثر . قوله ( إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بكسر العين في العدوة في الموضعين ، وقرأ الباقون بالضم فيهما ، و " إذ " بدل من يوم الفرقان ، ويجوز أن يكون العامل محذوفا : أي واذكروا إذ أنتم . والعدوة : جانب الوادي ، والدنيا : تأنيث الأدنى ، والقصوى : تأنيث الأقصى ، من دنا يدنو ، وقصا يقصو ، ويقال القصيا ، والأصل الواو ، وهي لغة أهل الحجاز ، والعدوة الدنيا كانت مما يلي المدينة ، والقصوى كانت مما يلي مكة . والمعنى : وقت نزولكم بالجانب الأدنى من الوادي إلى جهة المدينة ، وعدوكم بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة . وجملة ( والركب أسفل منكم ) في محل نصب على الحال ، وانتصاب ( أسفل ) على الظرف ، ومحله الرفع على الخبرية : أي والحال أن الركب في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه وأجاز الأخفش والكسائي والفراء رفع أسفل على معنى أشد سفلا منكم والركب : جمع راكب ، ولا تقول العرب ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل ، ولا يقال لمن كان على فرس وغيرها ركب ، وكذا قال ابن فارس ، وحكاه ابن السكيت عن أكثر أهل اللغة . والمراد بالركب هاهنا ركب أبي سفيان ، وهي المراد بالعير ، فإنهم كانوا في موضع أسفل منهم مما يلي ساحل البحر . قيل وفائدة ذكر هذه الحالة التي كانوا عليها من كونهم بالعدوة الدنيا وعدوهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منهم الدلالة على قوة شأن العدو وشوكته ، وذلك لأن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء ، وكانت أرضا لا يابس بها ، وأما العدوة الدنيا فكانت رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها ، وكانت العير وراء ظهر العدو مع كثرة عددهم ، فامتن الله على المسلمين بنصرتهم عليهم والحال هذه . قوله ( ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ) أي لو تواعدتم أنتم والمشركون من أهل مكة على أن تلتقوا في هذا الموضع للقتال لخالف بعضكم بعضا ، فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من المهابة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ولكن ) جمع الله بينكم في هذا الموطن ( ليقضى الله أمرا كان مفعولا ) أي حقيقا بأن يفعل من نصر أوليائه وخذلان أعدائه وإعزاز دينه وإذلال الكفر ، فأخرج المسلمين لأخذ العير وغنيمتها عند أنفسهم . وأخرج الكافرين للمدافعة عنها . ولم يكن في حساب الطائفتين أن يقع هذا الاتفاق على هذه الصفة ، واللام في " ليقضى " متعلقة بمحذوف ، والتقدير : جمعهم ليقضى ، وجملة ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي ) بدل من الجملة التي قبلها : أي ليموت من يموت عن بينة ويعيش عن بينة لئلا يبقى لأحد على الله حجة ، وقيل الهلاك والحياة مستعاران للكفر والإسلام : أي ليصدر إسلام من أسلم عن وضوح بينة ويقين بأنه دين الحق ، ويصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة شبهة . قرأ نافع وخلف وسهل ويعقوب والبزي وأبو بكر ( من حيى ) بياءين على الأصل وقرأ الباقون بياء واحدة على الإدغام ، وهي اختيار أبي عبيد لأنها كذلك وقعت في المصحف ( وإن الله لسميع عليم ) أي سميع بكفر الكافرين عليم به ، وسميع بإيمان المؤمنين عليم به . وقد أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال : ثم وضع مقاسم الفئ ، فقال ( واعلموا أنما غنمتم من شئ ) بعد الذي كان مضى من بدر ( فأن لله خمسه ) إلى آخر الآية . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم عن قيس بن مسلم الجدلي قال : سألت الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية عن قول الله ( واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه ) قال :